اوجة الانحراف الدستوري في الإعلان الدستوري المكمل للمستشار.د/عبدالفتاح مراد


معنا من أجل تحقيق عدالة قانونية وقضائية

 

 

 اوجه الانحراف الدستوري في الإعلان الدستوري المكمل

  (1)- بمراجعة الاعلانات الدستورية المصرية الصادرة بعد ثورة يوليو 1952 لم نجد فيها أي انحراف دستوري عن أهداف الثورة الستة المعروفة أو مبادئها أو الميثاق الوطني المُعبر عن أهداف الثورة وأمالها وذلك لتطابق نصوصها مع أهداف الثورة.
(2) المعايير العلمية التي تساعدنا في التعرف على مدى الانحراف الدستوري للإعلان الدستوري من عدمه، وهي معايير موضوعية ومصادرها الدستورية هي:-  1                       1- القانون الدستوري الدولي.2    2- المعاهدات الدولية المتعلقة بالحقوق السياسية       والاجتماعية  وحقوق الإنسان واستقلال القضاء.3                      3- العُرف الدستوري الدولي والداخلي.4- السوابق الدستورية الدولية والداخلية. 5- أحكام القضاء الدستوري الدولي والداخلي.
(3) ضرورة النأي عن الزج بالمحكمة الدستورية العليا في كل صغيرة وكبيرة حتى نبتعد بها عن دهاليز السياسة ومنعطفاتها التي تمس رسالتها القضائية.
(4) السلطة القضائية سلطة مستقلة يجب تمثيلها بنسبة الثلث في الجمعية التأسيسية لوضع الدستوركما حدث في الدستور الإيطالي الصادر سنة 1947 والذي مازال سارياً حتى الآن.
(5) ضرورة إلغاء الاعتراض على قرارات الجمعية التأسيسية  لوضع الدستور أمام المحكمة الدستورية العليا أو غيرهالتعارض ذلك مع فلسفةالجمعية التأسيسية وأهدافها السامية  
تعددت في السوابق القضائية حالات متكررة من الإنحراف التشريعي أمّا الانحراف الدستوري فإنه لم يحدث في تاريخ النظام الدستوري المصري من قبل، ويُعتبر الإعلان الدستوري المكمل الصادر في 17/6/2012 السابقة الدستورية الأولى في هذا الشأن، ولتوضيح هذا الأمر سوف نُفرق بين الانحراف التشريعي والانحراف الدستوري من خلال تعريف كلِ منهما وذلك فيما يلي :

 

  أولاً: الإنحراف التشريعي déviation législatif يمكن تعريفه عمليا باستعمال الأمثلة بأنه : يقع في الحالات التي تصدر فيها تشريعات معينة من البرلمان بقصد تطبيقها على حالة أو حالات فردية محددة ومعروفة سلفاً للبرلمان ولا تتمتع – في حقيقتها - بالعمومية والتجريد وبعبارة أخرى فإن هذه القوانين في حقيقتها قرارات إدارية فردية وإن صدرت في عبارات عامة مجردة أي أنها تأخذ - على خلاف الحقيقة - شكل القانون العام المجرد، وآخر تلك الانحرافات التشريعية الظاهرة التعديلات الأخيرة لقانون مباشرة الحقوق السياسية الصادرة بالقانون رقم 17 لسنة 2012 – أو ما سُمي بقانون العزل السياسي – .

وقد تضمن تفصيلات هذا الإنحراف التشريعي الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا  المصرية في القضية رقم 57 لسنة 34 قضائية دستورية الصادر بتاريخ 14/6/2012 والمنشور بالجريدة الرسمية المصرية في عددها رقم 24 تابع (أ) بتاريخ 14/6/2012. حيث أظهر الحكم المذكور جسامة الإنحراف التشريعي الذي انحدر إليه القانون رقم 17 لسنة 2012 بتعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية في انحرافه غير المسبوق وانتقائيته المشبوهه والتي اعترف بها واضعي التشريع أنفسهم وقد استعملت المحكمة – وبحق - تعبير "الانحراف التشريعي" لأول مرة في أحكامها كدليل دامغ على هذا الإنحراف التشريعي الظاهر وقضت بعدم دستورية القانون المذكور وقياساً منا على هذا الإنحراف التشريعي الشائع في التشريعات المصرية فقد حدثت واقعة دستورية جديدة هي واقعة الانحراف الدستوري في الإعلان الدستوري المكمل الصادر بتاريخ 17/6/2012 . 

 

 

ثانياً: الانحراف الدستوري Déviation constitutionnelle  يمكن تعريفه - في نظرنا -   عمليا باستعمال الأمثلة بأنه : يقع في الحالات التي تصدر فيها الدساتير أو الإعلانات الدستورية من سلطة تأسيسية لا تُعبر عن حقيقة المجتمع والتيارات السياسية المائجة فيه وإنما تُعبر عن فئة أو طائفة معينة أو فكر إيديولوجي أو فكر سياسي أو عسكري لا يُعبر عن آمال المجتمع وأهدافه وتطلعات ويتم فرض هذه الدساتير أو الإعلانات الدستورية قسراً باستغلال سلطة التشريع التأسيسي الدستوري والتي لا تُعبر عن المرجعية الحقيقية السائدة في المجتمع، وهذا المفهوم للانحراف الدستوري غير موجود في الفقه الدستوري المقارن وهو مصطلح تم صناعته بمعرفتنا ولا يوجد في المراجع الفرنسية أو الأمريكية سابقة بالنسبة لهذا النوع من الانحراف.

  وقد قمنا بمراجعة الاعلانات الدستورية المصرية الصادرة بعد ثورة يوليو 1952 فلم نجد فيها أي انحراف دستوري عن أهداف الثورة الستة المعروفة أو مبادئها أو الميثاق الوطني المُعبر عن أهداف الثورة وأمالها. ويُعتبر النموذج التطبيقي العملي لهذا الانحراف الدستوري الإعلان الدستوري المكمل الصادر من المجلس الأعلى للقوات المسلحة والمنشور بالجريدة الرسمية المصرية العدد 24 (مكرر) في 17/6/2012 و قد اتخذنا معايير علمية تساعدنا في التعرف على مدى الانحراف الدستوري للدستور من عدمه، وهي معايير موضوعية ومصادرها الدستورية هي:-1- القانون الدستوري الدولي.2- المعاهدات الدولية المتعلقة بالحقوق السياسية والاجتماعية وحقوق الإنسان واستقلال القضاء.3- العُرف الدستوري الدولي والداخلي. 4- السوابق الدستورية الدولية والداخلية.5- أحكام القضاء الدستوري الدولي والداخلي.
وقد تضمن الإعلان الدستوري التكميلي سالف الذكر وجوه متعددة ونادرة للانحراف الدستوري والتعدي على الجمعية التأسيسية لوضع الدستور على خلاف أحكام القانون الدستوري الدولي وعلى المحكمة الدستورية العليا بالمخالفة للقانون رقم 48/1979 وإضافة اختصاصات لها دون أخذ رأي جمعيتها العمومية والتعدي على السلطة القضائية وسلطتها في تحديد حالات انتفاء المسئولية والاعتداء على سلطات رئيس الدولة ومنها سلب سلطة التشريع وسوف نتناول ذلك في البنود التالية :

    أولا : صدور الإعلان الدستوري المكمل الذي افتقد ركناً دستورياً أولياً يؤدي إلى إنعدامه هو وجوب التشاور مع التيارات السياسية والسلطات القائمة في المجتمع  ومن هذه الهيئات المجلس الاستشاري – الذي أعلن رئيسه عدم علمه بهذا الإعلان الدستوري المكمل - ومجلس الشورى وذلك بعد صدور حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب، وكذلك عدم التشاور مع السلطة القضائية، التي يتعمّد المجلس الأعلى للقوات المسلحة تجاهلها دائما رغم أنها ثلث السلطات في الدولة وهي سلطة قائمة ومستمرة وقوية رغم محاولات المجلس الأعلى للقوات المسلحة المتعددة النفاذ إليها والتأثير عليها بطرق وأساليب متعددة لا يتسع المقام لتناولها في هذه الدراسة. ثانياً : أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يدير شئون البلاد بسلطة الأمر الواقع وبموافقة ضمنية من الشعب ومن ثم فهو يقوم بدور حكومة الأمر الواقع ويترتب على ذلك أنه يجب أن يقتصر دوره على مجرد إدارة البلاد كما بدأ دوره دستورياً في حدود تلك الإدارة بعد قيام الثورة ويجب أن يكون تدخله الدستوري محدوداً بحالات الضرورة الدستورية الملحة والتي تُقدر بقدرها دون توسع أو قياس، وقد حدث هذا التوسع الكبير في الإعلان الدستوري المكمل على النحو الذي سوف يلي ذكره. ثالثاً : الاعتداء على بعض سلطات رئيس الجمهورية وهي سلطة التشريع التي كان يُفترض أن تؤول إلى رئيس الجمهورية في حالة غياب مجلس الشعب وتقييد سلطته في حالة إعلان الحرب رابعا : خلق سلطة دستورية جديدة غير مسبوقة في الدولة هي سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة وذلك على خلاف المبادئ فوق الدستورية Supra constitutional، Supra constitutionnelle ، والعرف الدستوري الدولي، ومبادئ القانون الدستوري الدولي international Constitutional Law The،   Le droit constitutionnel internationale  خامسا : الاعتداء على السلطة القضائية والتصريح بذلك في المادة 53 مكرراً (2) فقرة أخيرة والتي نصها " ويبيّن القانون سلطات القوات المسلحة ومهامها وحالات استخدام القوة والقبض والاحتجاز والاختصاص القضائي وحالات انتفاء المسئولية". يَتَبيّن من نص تلك المادة أن القانون هو الذي يحدد "حالات انتفاء المسئولية" في حين أن هذا النطاق محجوز دستورياً للسلطة القضائية - دون السلطة التشريعية أو حتى الدستورية - لأنها هي التي تحدد انتفاء المسئولية من عدمه في كل واقعة على حده، وهذا النص يخالف الإعلان الدستوري الصادر في 30/3/2011 والمبادئ فوق الدستورية، والقانون الدستوري الدولي.

 

  سادسا : الاعتداء على الاختصاصات القانونية للمحكمة الدستورية العليا وإضافة اختصاصات جديدة لها في المادة 60 مكرر (1) بشأن المراجعة على الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وذلك دون عرض الأمر على الجمعية العمومية للمحكمة طبقا للمادة الثامنة من القانون رقم 48 لسنة 1979، وهذا الاختصاص الجديد خارج عن الاختصاصات القانونية المقررة للمحكمة في الإعلان الدستوري وفي قانون المحكمة الدستورية العليا

سابعا : وقوع الإعلان الدستوري في افتراضات غريبة، حيث افترض – لأسباب لا يعلمها سوى الله تعالى – موافقة المحكمة الدستورية العليا على هذا الاختصاص الشاذ والغريب والمخالف لأي دستور في العالم ويشكل اعتداء دستوري على هيئة قضائية مستقلة هي المحكمة الدستورية العليا يحوّل المحكمة الدستورية العليا إلى "محلل شرعي" لأمور سياسية تتعلق بأهداف الثورة ومبادئها الأساسية التي تتحقق بها المصالح العليا للبلاد، أو مع ما تواتر من مبادىء في الدساتير المصرية السابقة ...، وهي أمور سياسية بامتياز وتتعارض شكلا وموضوعا مع الرسالة القضائية الرفيعة التي قامت بها المحكمة الدستورية العليا المصرية بجدارة كبيرة واستحقاق كامل، وهذا الاختصاص يزج بالمحكمة الدستورية العليا في آتون السياسة المقيت لأنه يجب أن تظل في وضعها القضائي المتميّز على خلاف غيرها من المحاكم والمجالس الدستورية الأخرى في العالم.

ثامنا : مخالفة المادة 60 مكرراً من الإعلان الدستوري لأبسط المبادئ الدستورية وذلك لإنشائها وصاية غير شرعية وغير دستورية على سلطة الجمعية التأسيسية المستقلة - التي يجب ألا تعلوها أي سلطة تنفيذية أو حتى قضائية - في صناعة دستور جديد يعبر عن آمال المجتمع وأحلامه بعد الثورة وحق الأجيال الحالية والقادمة في إدخال أفكار جديدة تساير التطور الحضاري للبشرية وعدم الوقوع في أسر الأفكار والمعتقدات الدستورية السابقة. ويرجع ذلك في نظرنا إلى التعارض مع الهدف الفلسفي السامي من الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد والذي يسمو على أي شخص أو هيئة أو فكر فلسفي خلاف أفكارها الخاصة.تاسعا : مخالفة المادة 60 مكرراً من الإعلان الدستوري لأبسط المبادئ الدستورية البديهية وذلك لإقرارها عرض مشروع الدستور على الشعب لاستفتائه في شأنه خلال مدة وجيزة هي خمسة عشر يوما من تاريخ الانتهاء من إعداده، وذلك لاستحالة إلمام الشعب وفقهاؤه بهذا الدستور الجديد في خلال خمسة عشر يوما، وكان يجب مد أجل هذا الميعاد ليكون شهر على الأقل، وقد كان ذلك محل انتقاد منا على الإعـلان الدستوري الصادر في 30/3/2011 وقد أوضحنا ذلك في موسوعتنا " موسوعة شرح الدساتير المصرية والمستويات الدستورية الدولية" .عاشراً : تجاهل الإعلان الدستوري في المادة 60 مكرراً منه للسلطة القضائية، حيث تضمنت المادة عبارة "جمعية تأسيسية جديدة تمثل أطياف المجتمع" دون ذكر لوجوب أن يكون ثلثها من أعضاء الهيئات القضائية والتي تضم بين أعضائها مشرّعين في قسم التشريع بمجلس الدولة، كما تضم بين أعضائها ما لا يقل عن مائتي أستاذ في القانون الإداري والدستوري أجازتهم أشهر الجامعات المعروفة في الداخل والخارج، ويتفوقون في خبراتهم على أي خبير دستوري آخر في هذا الميدان.حادي عشر : اعتبرت المواد  53 مكررا  و 53 مكررا (1) و 53 مكرر(2) أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بمثابة دولة داخل الدولة ولا يخضع لسلطان الدولة وهذا أمر يخالف المبادئ الدستورية الدولية الصحيحة والعرف الدستوري في القانون المصري والفرنسي فضلاً عن أنه أمر غير مقبول في الفكر الثوري لثورة 25 يناير المجيدة وفي العُرف العام لدى الشعب المصري.

 

 ثاني عشر : التعدي على المركز القانوني لرئيس الدولة في أن يكون هو وحده الحكم الوحيد بين السلطات في الدولة، وإدخال شركاء له في هذا الشأن هو المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

 ثالث عشر : جهل الإعلان الدستوري بالهيئات القضائية القائمة في المجتمع ومدى وجودها وتأثيرها الفعلي، حيث أغفل النص المذكور أن "المجلس الأعلى للهيئات القضائية" الصادر بالقانون رقم 82 لسنة 1969 – الذي تـم إنشاؤه أثناء مذبحة القضـاء - قد تم إلغاؤه بالقانون رقم 192 لسنة 2008 – في عصر محاولة المساس باستقلال للقضاء – وقد أصبح غير موجـود قانونا، ومع ذلك فقد تم ذكر اسمه في الإعلان الدستوري على خلاف الحقيقة لأن المجلس الموجود حاليا هو "مجلس الهيئات القضائية" وهو مجلس قائم نظريا فقط – على الأوراق - ، ولا يمارس أي اختصاصات فعلية في الحياة القانونية والقضائية.    رابع عشر : جهل الإعلان الدستوري بالمركز القانوني والدستوري الواقعي للهيئات الدستورية في الدولة لأن مجلس الهيئات القضائية القائم حالياً الصادر بالقانون رقم 192 لسنة 2008 يرأسه رئيس الجمهورية وإذا لم يحضر يترأسه وزير العدل وذلك طبقاً للمادتين الثانية والثالثة من القانون المذكور، وهو مجلس تم إنشاؤه - مثل المجلس الأعلى للهيئات القضائية – في عصر الاستبداد وهو محاولة مكشوفة للتدخل السافر في شئون القضاء والاعتداء الصارخ على استقلاله.  ومفاد ما تقدم أن الإعلان الدستوري – المنحرف – يعطي الحق في التعقيب والمراجعة على قرارات الجمعية التأسيسية إلى رئيس الجمهورية – السابق ذكره في نفس المادة - وهو رئيس مجلس الهيئات القضائية، أو وزير العدل وهو عضو في ذات الحكومة وهما يُشكلان السلطة التنفيذية في الدولة. ومفاد ذلك أن هذا التعدد هو تعدد صوري وذلك لإضفاء شكل من العمومية على أصحاب الحق في الاعتراض على مشروع النص الدستوري الجديد محل الخلاف، في حين يفسر بعض الفقهاء هذا النص بأن صاحب الحق الحقيقي وصاحب المصلحة الحقيقية في هذا الاعتراض على النص هو – بطبيعة الحال - المجلس الأعلى للقوات المسلحة تحقيقا لأهدافه في البقاء في السلطة على نحو معيّن، والتي قد تتعارض مع آمال وأحلام أعضاء الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد. خامس عشر : مخالفة المادة 60 مكررا للقانون الدستوري الدولي والمبادئ فوق الدستورية سالفة الذكر والتي توجب أن يكون الاعتراض على نصوص الدساتير الجديدة بأغلبية تفوق أغلبية إقرار الدساتير ذاتها وهي ثلثي عدد الجمعية التأسيسية أي أن الخُمس الذي حدده الإعلان الدستوري التكميلي يشكل أقلية ضئيلة لا تصلح للاعتراض على مشروع الدستور الذي يُفترض أنه قد تم إقراره بأغلبية الثلثين.  سادس عشر : غموض مصطلح "أهداف الثورة ومبادئها الأساسية التي تتحقق بها المصالح العليا للبلاد، أو مع ما تواتر من مبادىء في الدساتير المصرية السابقة ..." الواردة في المادة 60 مكررا (1) لأن الثورة لم تحدد صراحة أهدافا مكتوبة يمكن الرجوع إليها، وهذه الحقيقة وذلك الوضع الواقعي المعترف به سوف يسمح للمجلس الأعلى للقوات المسلحة - أو غيره - أن يدّعي مخالفة أي نص لا يرضى عنه لأهداف ومبادئ الثورة المصرية والمصالح العليا للبلاد، وهي عبارة مطاطية قد تختلف بشأنها التفسيرات. وقد كان يجب على المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي يفترض فيه الأمانة والعلم وحُسن إدراك شئون البلاد أن يُضمّن إعلانه الدستوري أهم الأهداف المحفوظة لثورة 25 يناير والتي يجب الاعتراف بها من الكافة، وهي : 1 – الحريّة. 2 – الكرامة الإنسانية. 3 – العدالة الاجتماعية. 4 – استقلال القضاء واحترام حصانته ومكانته وتنفيذ أحكامه. 5 – محاكمة أعداء الثورة والفاسدين.      6 – رعاية أسر الشهداء والمصابين. 7 – استرداد الأموال المهربة. 8 – استرداد المكانة العربية والعالمية لمصر. 9 – التنمية الاقتصادية. 10- إقامة حياة ديموقراطية ودستورية سليمة.  سابع عشر : عدم فهم الإعلان الدستوري لمصطلح "أهداف الثورة ومبادئها الأساسية التي تتحقق بها المصالح العليا للبلاد، أو مع ما تواتر من مبادىء في الدساتير المصرية السابقة ..." الواردة في المادة 60 مكررا (1) لأن التاريخ الدستوري المصري المعلوم لنا جيّدا يتضمّن دساتير متعددة تحمل في ثناياها أسوأ أشكال الديكتاتورية والشمولية والمصادرة على حقوق الإنسان والاعتداء على السلطة القضائية ومن أمثلة المبادئ الدستورية التي لا يجب الاعتداد بها حق رئيس الجمهورية في إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري فهل يمكن أن يكون هذا المبدأ قيمة دستورية ، ولذلك لا تصلح مثل تلك المبادئ في نظرنا أن يتم الاستناد إليها كمبادئ فوق دستورية للمرحلة الدستورية القادمة، ونحن نسعى إلى الاستقلال الكامل لقضائنا الشامخ . ثامن عشر : مخالفة الإعلان الدستوري لما هو مسلم به من أن أحكام وقرارات المحكمة الدستورية العليا طبقا لقانونها تُنشر في الجريدة الرسمية بدون مصروفات، فمن العبث أن يتم النص في الإعلان الدستوري على أن يُنشر القرار "بغير مصروفات في الجريدة الرسمية"، وهذا التزيّد يجب أن يتنزّه عنه النص التشريعي الدستوري.

 

   تاسع عشر : عدم فهم الإعلان الدستوري التكميلي للحكمة من نشر التشريعات لأن الجريدة الرسمية المصرية طبقا للقانون رقم 901/1967 بتنظيمها لا يُنشر فيها سوى القوانين والدساتير وغيرها، وليس مشروعات القوانين أو مشروعات الدساتير، وهو أمر يخالف قانون الجريدة الرسمية سالف الذكر. 

 عشرون : مخالفة نص المادة 53 مكررا للعمومية والتجريد الواجب توافرها في القانون، ومن باب أولى في الدستور، حيث ذكر "يختص المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتشكيل القائم وقت العمل بهذا الإعلان الدستوري" دون ذكر مبرر عقلي أو منطقي لتخصيص هذا المجلس بأشخاصه دون صفاتهم، ودون أن يبيّن للشعب القانون الذي يتشكل على أساسه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بصفاته أو أشخاصه، وهو أمر يغيب عن علم أكثر المستشارين العسكريين ثقافة وعلما.  حادي وعشرون : تناسى الإعلان الدستوري الموت كحقيقة ربّانية فوق رقاب العباد، فقد يصيب أحد أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة بتشكيله مكروه – أطال الله في أعمارهم جميعا – فما هو الحل الدستوري في هذه الحالة. ومن الجدير بالذكر في هذا الشأن للحقيقة والتاريخ أن تحريّاتنا العلمية التي تستند إلى مصادر علمية أمريكية وفرنسية أن أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة الموقر – الذين نكنّ لهم بكل تقدير واحترام - هم :

  1- رئيس المجلس : المشير حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة.

  2- نائب رئيس المجلس : الفريق سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة. أعضاء المجلس قادة الأفرع الرئيسية :3- الفريق مهاب مميش، قائد القوات البحرية.4- الفريق رضا حافظ، قائد القوات الجوية.5- الفريق عبد العزيز سيف، قائد قوات الدفاع الجوي,مستشاري ومساعدي وزير الدفاع، مساعدي رئيس أركان حرب القوات المسلحة، رؤساء هيئات القوات المسلحة :6- رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة.7 - رئيس هيئة التنظيم والإدارة.8 - رئيس هيئة التدريب.9 - رئيس هيئة الإمداد والتموين.10- رئيس هيئة التسليح.11- رئيس الهيئة الهندسية.12- رئيس هيئة الشئون المالية.13- رئيس هيئة القضاء العسكري.قادة التشكيلات التعبوية الآتية :14- قائد الجيش الثاني الميداني.15- قائد الجيش الثالث الميداني.16- قائد المنطقة المركزية العسكرية.17- قائد المنطقة الغربية العسكرية.18- قائد المنطقة الشمالية العسكرية.19- قائد المنطقة الجنوبية العسكرية.مديرو إدارة المخابرات والشئون المعنوية :20- مدير المخابرات الحربية.21- مدير إدارة الشئون المعنوية.22- السيد اللواء رئيس الشئون القانونية بوزارة الدفاع.
ثاني وعشرون : تجاهل الإعلان الدستوري التكميلي للسلطة القضائية والهيئات القضائية ونوادي الهيئات القضائية باعتبارها جهات معترف بها قانونا، ويجب أن يكون لها حق الاعتراض على مواد الدستور الجديد، لأن من أهم أهداف الثورة – كما سبق القول - استقلال القضاء واحترام حصانته ومكانته وتنفيذ أحكامه، وذلك بجميع هيئاته الخمسة وهي القضاء العادي والمحكمة الدستورية العليا ومجلس الدولة والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة. وكان يجب أن يُعطى لهم الحق في إبداء الرأي في النصوص الدستورية محل الخلاف.
ولما كان قد تم تجاهل الهيئات القضائية فإنه يحق لها قانونا الاعتراض على تجاهلها كهيئات قائمة في المجتمع تقوم – بالإضافة إلى رسالتها الأصلية في الحكم بالعدل - بأشرف دور قضائي ورقابي على الانتخابات والاستفتاءات طبقا للقوانين المصرية.
 ثالث وعشرون : مخالفة المادة 60 مكررا (1) للمنطق الدستوري الصحيح، وذلك لإسناده الاختصاص بنظر الاعتراض على النص الدستوري المقترح إلى المحكمة الدستورية العليا وهي المحكمة القضائية التي سوف يُعرض عليها في وقت لاحق قضايا دستورية عن مدى مطابقة نصوص القوانين مع النصوص الدستورية طبقا لقانون المحكمة وطبقا للإعلان الدستوري الصادر في 30/3/2011، والتي سوف تبدي رأيها في شأنها سلفا لأن هذه النصوص هي نصوص خالقة للمحكمة الدستورية العليا القادمة ذاتها، ولا يجوز للمحكمة الدستورية العليا الحالية والتي سوف يخلقها الدستور – مرة أخرى - أن تراقب مدى الملائمة السياسية والدستورية لنصوصه التي يُفترض أن تخضع هي لها وتقوم على احترامها وحراستها.

 وكان من الأوفق للمشرّع الدستوري أن يعرض هذا الأمر - على الفرض الجدلي بصحته دستوريا - على محكمة أخرى عليا مثل الدوائر المدنية المجتمعة لمحكمة النقض المصرية أو دائرة توحيد المبادئ المنصوص عليها في المادة 54 مكرر من قانون مجلس الدولة، أو الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة المنصوص عليها في المواد 65 إلى 67 من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة.

رابع وعشرون : إن المحكمة الدستورية العليا المصرية طبقا للإعلان الدستوري الصادر في 30/3/2011 وطبقا للمواد من 25 إلى 27 من القانون رقم 48 لسنة 1969 المعدل تفصل في المنازعات ولا تُبدي آراء دستورية سياسية عن النظام السياسي للدولة وحدود العلاقة بين السلطات على سبيل المثال لأن هذا إقحام للمحكمة في مسائل سياسية يجب النأي بها عنها، وذلك على خلاف غيرها من المحاكم والمجالس الدستورية الأخرى في العالم والتي لها طابع سياسي.خامس وعشرون:  انساق الإعلان الدستوري في المادة 30 فقرة ثانية إلى عبادة المحكمة الدستورية العليا وتقديسها وجعلها حلاً جاهزاً لجميع المشاكل الدستورية في مصر حيث أسند إليها الإعلان الدستوري المكمل بالإضافة إلى ما تقدم  اختصاصاً آخر إضافياً – دون آخذ رأيها للمرة الثانية- حيث أسند إليها أداء الرئيس اليمين أمامها وهذا يُخالف حسن الإدارة القضائية طبقاً لمبادئ علم الإدارة القضائية لأن الأمر يقتضي توزيع الاختصاصات القضائية بين الجهات القضائية المتماثلة وعدم تركيز الاختصاصات في جهة قضائية واحدة وتطبيق هذا الأمر كان يقتضي إسناد أداء الرئيس اليمين القانونية  أمام الجمعية العامة لمحكمة النقض المصرية التي يترأسها رئيس محكمة النقض باعتبارها الممثل القانوني التقليدي للسلطة القضائية أو الجمعية العمومية للمحكمة الإدارية العليا حامية الحقوق والحريات العامة ، كما أن هذا يتعارض مع مبدأ التوازن في توزيع الاختصاصات القضائية والدستورية بين الجهات القضائية المختلفة.
 سادس وعشرون : قصور الإعلان الدستوري التكميلي وخلوه من تحديد يوم محدد كموعد للانتخابات البرلمانية المقبلة وترك الأمر إلى أجل غير مُسمى، مما قد يُفهم منه الرغبة في استطالة الفترة الانتقالية وامتدادها. سابع وعشرون: قصور الإعلان الدستوري التكميلي وخلوه من حق المجلس الأعلى للقوات المسلحة في حل مجلسي الشعب والشورى، وهو أمر قد حدث بالنسبة لمجلس الشعب، وقد يحدث قريبا بالنسبة لمجلس الشورى. ثامن وعشرون : كشف الإعلان الدستوري حقيقة النظام الذي كان سائدا في مصر من قبل - من الداخل - ، والأبعاد الحقيقة للدولة المصرية العميقة قبل الثورة وهيكلها العظمي والذي ما زال قائما حتى اليوم.تاسع وعشرون : إن الإعلان الدستوري في ميزان علم الاستراتيجية العسكرية قد يفهمه البعض بأنه إعلان حرب من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ضد الشعب وضد ثورة 25 يناير، ومع ذلك فإننا نفهمه غير ذلك ونحسن الظن في هذا المجلس الموقر ونرى ضرورة تعديل هذا الإعلان الدستوري المنحرف دستوريا عن الأصول الدستورية الصحيحة وذلك طبقا للبنود المتعددة سالفة البيان.ثلاثون : إن الإعلان الدستوري يعوزه الصياغة اللغوية العربية السليمة وحسن الصياغة  القانونية والذوق والحس القانوني الرفيع والذي تجاهله واضعو الإعلان الدستوري وتناسوا أن هناك هيئة قضائية كبرى في مصر اسمها مجلس الدولة بها قسم للتشريع – أوجب القانون ضرورة عرض التشريعات عليه – وتوجد به جمعية معروفة في العالم تُسمّى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع ينظمها جميعا قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 المعدل على النحو السالف بيانه. وهذا يؤكد تجاهل المجلس الأعلى للقوات المسلحة للهيئات القضائية وعدم الاعتراف بها كسلطة قضائية مستقلة من حقها قانونا ثلث أعضاء الجمعية التأسيسية لوضع الدستور كما حدث في الدستور الإيطالي الصادر سنة 1947 والذي مازال سارياً حتى الآن.. والله تعالى أعلم.

القاضي المستشار الدكتور

عبــد الفتــــاح مـــراد

رئيـس محكمـة الاستئنـاف العالي بالإسكندرية

أستاذ القانون الإداري والدستوري

الأسـتاذ المحاضـر بالجامعـات

ت

 

 

التعليقات
الإسم
التعليق الحروف المتبقية
 
إجمالى عدد الزوار 237442 زائر عدد زوار اليوم 108 زائر عدد زوار أمس 180 زائر